محمد بن جرير الطبري
17
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل ، لان قوله : قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش ، واحتجاجا عليهم لنبيه ( ص ) ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها ، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر ، فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت ، ولا دل على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى ، غير أن الاخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ( ص ) بأن ذلك عنى به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل ، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن ، والسبب الذي فيه نزل ، وما أريد به ، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك ، وشهد عبد الله بن سلام ، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله ، يعني على مثل القرآن ، وهو التوراة ، وذلك شهادته أن محمدا مكتوب في التوراة أنه نبي تجده اليهود مكتوبا عندهم في التوراة ، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي . وقوله : فآمن واستكبرتم يقول : فآمن عبد الله بن سلام ، وصدق بمحمد ( ص ) ، وبما جاء به من عند الله ، واستكبرتم أنتم على الايمان بما آمن به عبد الله بن سلام معشر اليهود إن الله لا يهدي القوم الظالمين يقول : إن الله لا يوفق لإصابة الحق ، وهدى الطريق المستقيم ، القوم الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بإيجابهم لها سخط الله بكفرهم به . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) * . يقول تعالى ذكره : وقال الذين جحدوا نبوة محمد ( ص ) من يهود بني إسرائيل للذين آمنوا به ، لو كان تصديقكم محمدا على ما جاءكم به خيرا ، ما سبقتمونا إلى التصديق به ، وهذا التأويل على مذهب من تأول قوله : وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله أنه معني به عبد الله بن سلام ، فأما على تأويل من تأول أنه عني به مشركو قريش ، فإنه ينبغي أن يوجه تأويل قوله : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه أنه عني به مشركو قريش وكذلك كان يتأوله قتادة ، وفي تأويله إياه كذلك ترك منه تأويله ، قوله : وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله أنه معني به عبد الله بن سلام . ذكر الرواية عنه بذلك :